28‏/12‏/2012

وثائق بريطانية: حافظ الأسد وعد بعدم تحريك قواته عند غزو اسرائيل لبيروت





كشفت صحيفة “القبس” الكويتية وثائق بريطانية افرجت عنها رئاسة الوزراء البريطانية وتناولت المفاوضات التي دارت حول لبنان لجعل الجيش الاسرائيلي ينسحب من بيروت واخراج الفصائل الفلسطينية المسلحة منها، والدور السوري الخفي الذي رعاه الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، وتناول تصفية حسابات مع الغرب ومع رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات مع دول عربية مجاورة ومؤثرة، وكيف انه لم يلتفت الى معاناة من كانوا يُقتلوا يومياً في بيروت المحاصرة، محاولاً الحصول على مكاسب سياسية.
وتُظهر وثائق، التي كشفت عنها “القبس” ومصدرها مراسلات وتقارير رفعت الى رئاسة الحكومة البريطانية عن مجريات المفاوضات لرفع الحصار عن بيروت التي شارك فيها الموفد الأميركي فيليب حبيب، كيف رفض عرفات نقل قواته من العاصمة اللبنانية الى دمشق، وكيف ابلغ مفاوضين عربا رفضه وضع عنق القضية الفلسطينية “في ايدي الأسد الماكر الخبيث الغدار”.
وكشفت الوثائق كيف اعطى الأسد ضمانات للأميركيين بعدم تحريك اي قوات للدفاع عن الفلسطينيين واللبنانيين في بداية الغزو الاسرائيلي للبنان في السادس من حزيران 1982 طالما التزمت اسرائيل اهدافها باقامة منطقة آمنة داخل الاراضي اللبنانية وعلى امتداد 40 كلم من دولة اسرائيل مع لبنان.
ومن ابرز ما حدث في تلك السنة، وفق الوثائق التي اقتصرت على مراسلات رئاسة الحكومة من دون وثائق وزارة الخارجية الدسمة والمراسلات بين السفارت البريطانية ولندن، محاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن شلومو أرغوف في الثالث من حزيران 1982 امام فندق دورشستر في مايفير واصابته برصاصة في الرأس جعلته يقع ارضاً مغمى عليه امام جمع كبير واطلق حراس السفير النار على “الشخص الشرق اوسطي الملامح الذي اصيب في الرأس في حين هرب اثنان كانا معه في سيارة وتم توقيفهما لاحقاً في منطقة بريكستون” كما ورد في تقرير رُفع الى رئيس الحكومة البريطانية مارغريت ثاتشر.
وأظهر تقرير ثالث أن المجموعة (الثلاثة) من التابعية الفلسطينية والأردنية والعراقية، ويدعى الأول حسين غسان سعيد، والثاني مروان البنا، والثالث نواف الروسان، وهم من أتباع صبري البنا، المعروف باسم “أبو نضال”، الذي انشق عن حركة “فتح” وشكل تنظيم “المجلس الثوري”. وتبين لاحقاً أن الثلاثة كانوا ينوون أيضاً إطلاق النار بعد أيام على ممثل منظمة التحرير في لندن نبيل الرملاوي.
وأدى الحادث إلى إرسال إسرائيل، التي كانت في ظل حكم رئيس الوزراء مناحيم بيغن ووزير الدفاع ارييل شارون، طائراتها لقصف مناطق لبنانية كانت تخضع للسيطرة الفلسطينية في غرب بيروت قبل أن يأمر ارييل شارون بإطلاق حملة عسكرية لغزو لبنان وإبعاد الفلسطينيين عن الشريط الحدودي ومنعهم من القدرة على إطلاق صواريخ على إسرائيل من لبنان. وتطور الغزو لاحقاً بدخول القوات الإسرائيلية العاصمة اللبنانية لتكون المرة الأولى التي تدخل فيها قوات إسرائيلية عاصمة عربية.

19‏/12‏/2012

دراكولا يصبح نباتياً


جزار الشعب السوري


طاغية الشام

إلى متى؟


كل الحق على الأهالي


08‏/12‏/2012

لا يمكن للإنترنت أن يكون مرجع إحصائي دقيق ويُعبر عن رأي المجتمع لأسباب وجيهة وعميقة وواضحة


"وهكذا يدفعنا التقارب الشديد بين المؤشرات التي تم استخراجها من الإنترنت مع النتائج الفعلية على الأرض إلى القول بأنه يمكن أن تكون مرآة لنوايا المجتمع بصفة عامة وليس تجاه الانتخابات فقط أو أي قضية أخرى بذاتها، وأن الإنترنت في طريقها لأن تصبح مستقبلاً مصدراً رئيسياً للتعرف على نوايا مجتمعات وشعوب العالم أجمع، وأنها تتحول شيئاً فشيئاً إلى ساحة الصراع الكبرى، اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً وسياسياً، والأمر متروك فقط لمن يستطيع أن يرصد ويتابع ويحلل ثم يتخذ قراره في هذا الاتجاه أو ذاك، ليس فقط في الانتخابات وإنما في كل شيء، بدءاً من بيع الحفاضات إلى السيطرة على العقول والأوطان".
****
هذا ما كتبه أحد الكُتاب المهتمين بنتائج الإنتخابات الإلكترونية، كخاتمة لموضوع تحليلي مكوّن من صفحتين، إستنتج من خلالها بأنه يمكن أن تكون نتائج الإستفتاءات على الإنترنت مؤشر جيد لمعرفة نتائج الإنتخابات أو نتائج أي إحصاء يمكن إجراءه مستقبلاً.
الحقيقة أن الكاتب مصيب فيما ذهب إليه في عدة نقاط من التحليل ولكن غفل عنه عدة أسباب جوهرية تِقنية يمكن أن تكون سبباً للتزييف الإحصائي وهي ما تجعل نتائج الإستفاءات أو الإحصاءات على الإنترنت غير حقيقية ولا تعبر بالضرورة عن رأي المجتمع الفعلي، ويمكن شرح ذلك بعدة طرق:
أولها، أن عملية ضبط عدد الأشخاص المصوتين عبر الإنترنت عملية صعبة، بمعنى جعل كل شخص يصوّت مرة واحدة فقط.
فمثلاً عند إجراء تصويت على مَعْلَمْ ما (صرح أو مبنى تاريخي أو تراثي أو طبيعي) في العالم ويُطلب من المصوتين أن يصوّتوا له، فإن أي شخص يمكنه أن يدخل ويصوّت بالعدد الذي يريده، فمثلاً يمكنني أن أدخل وأصوّت لعجائب الدنيا السبعة عبر الإنترنت وأختار مثلاً مغارة جعيتا وأقوم بالتصويت لها 50 مرة أو 100 مرة بأسماء وإيميلات مختلفة، بمعنى أن شخص واحد بإمكانه أن يصوّت بدل 50 شخص لذات المعلم, وعند فوز مغارة جعيتا بالتصويت بعدد مليون صوت، فسيستند القيّمون على التصويت على عدد التصويتات على الإنترنت بالقول بأن عدد الذين صوّتوا لمغارة جعيتا هم مليون شخص، فيما العدد الفعلي للذين قاموا بالتصويت لا يتجاوز الـ 500 ألف شخص، وبالتالي لا يكون التصوّيت مستند على واقع حقيقي.
ثانيها، أن هناك بعض المواقع تقوم بإجراءات أكثر حماية وأكثر مصداقية كأن تقوم بتركيب بعض التقنيات بحيث لا يمكن للشخص أن يُصوّت إلاّ مرة واحدة عبر إيميل واحد ومستخدم واحد، مستندة بذلك على "المُعرف الشخصي" أو ما يُعرف بالـ IP وهو مُعرف واحد لكل جهاز كومبيوتر بحيث يُعتبر كبطاقة الهوية التي لا يمكن لصاحبها أن يدخل بأكثر من اسم, وبالتالي فإنه في كل مرة يقوم بمحاولة الدخول إلى نفس الموقع والتصويت مرة أخرى يتم رفض طلبه بإعطائه رسالة معينة مفادها: "لا يمكنك التصويت, لقد سبق وقمت بالتصويت" وبالتالي لا يمكنه التصويت مرة أخرى....ولكن..... هذه التقنية المستخدمة في كثير من المواقع الإلكترونية والتي يتباهى بها عدد كبير من أصحاب المواقع بالقول بأنها محصنة ولا يمكن للمصوّت أن يقوم بالتصويت بأكثر من مرة وبالتالي فإن نتائج الإستفتاء على موقعهم صحيحة مائة بالمئة وبالتالي فهي حقيقية, - فإذا استبعدنا نظرية المائة بالمائة ووضعناها جانباً حيث لا يوجد شيء في الكون يكون مضمون مائة بالمائة - فقلد فاتهم عدة أسباب تُطيح بنظريتهم هذه:
فيمكن لنفس الشخص وهو جالس على نفس الكومبيوتر أن يدخل ويُصوّت بخمسين ومائة مرة حسب ما لديه من وقت فراغ ليقضيه في عملية التصويت عن طريق:
- إما برامج معروفة ومتخصصة وشهيرة وثَبُت باعها الطويل في ذلك ليقوم بإخفاء "الإي بي" الخاص به IP واستبداله بـ "آي بي" آخر وخداع تلك المواقع والقيام بالتصوّيت مراراً وتكراراً حتى يمل.
- وإما بطريقة أخرى بدون إستخدام هذه البرامج عبارة عن الدخول إلى ملفات مخفية داخل أنظمة ويندوز وجلب إحدى الملفات النصية المعروفة بـ "TXT" والتعديل بها وبالتالي محي أو حذف "الآي بي" الذي تم الدخول به إلى الموقع والتصويت والدخول مرة أخرى إلى الموقع بـ "آي بي" جديد وبالتالي التصويت من جديد.
- وإما بالدخول إلى الريجستري الخاص بالجهاز (وهو عقل الكومبيوتر وذاكرته كما يُسميه البعض) وحذف بعض الإعدادات والأوامر من داخله وعمل "ريستارت" أي إعادة تشغيل للجهاز وبالتالي إعادة التصويت.
- وهناك طريقة أخرى أسهل بأن يدخل المُصوّت للتصوّيت من عدة كومبيوترات مختلفة من داخل مقاهي الإنترنت "Café Net" والتي تحتوي كومبيوترات عديدة, والتصويت مرة من كل جهاز كومبيوتر, لأن كل جهاز كومبيوتر له "آي بي" خاص به, طبعاً بعض المقاهي تستخدم "آي بي" موحد لكل الأجهزة بحيث يكون الـ "آي بي" الرئيسي موزع على باقي الأجهزة, ولكن بعض المقاهي الأخرى لا تهتم بهذا الأمر فتستخدم "آي بيات" (جمع آي بي) (IPS) مختلفة لكل جهاز على حدة.
وبالتالي فإن المرشحين للإنتخابات والذين يملكون قدرات مالية كبيرة ولديهم أشخاص محترفون في مجال الإنترنت والكومبيوتر فلا بد أن يستخدموا طرق عديدة لزيادة نسب التصويت على الإنترنت وقد يكون ما ذُكر أعلاه أحد هذه الطرق.
****
وأيضاً هناك حقيقة أخرى أستند عليها الكاتب وهي غير صحيحة بتاتاً, وهي أنه تتبع عدد الأشخاص في محركات البحث الذين قاموا بالبحث عن موقع حزب معين أو جريدة معينة, وبناء عليه فإنه استنتج أنه: إذا كان عدد الأشخاص الذين زاروا موقع الحزب بدون أن يصوّتوا حتى, فقط قاموا بزيارة الموقع فقد استنتج أنهم يريدون القراءة عن الحزب ومعرفة معلومات عنه وبالتالي التصوّيت له. غائباً عن بال الكاتب الكريم أن زيارة الموقع لا تعني بالضرورة تأييده أو إعجاباً به أو حتى التصوّيت له, فقد درجت العادة منذ سنين عندما كنت إحدى العضوات في منتدى "تيار المستقبل" على الإنترنت وهو من أشهر المواقع السياسية على الإنترنت, أن كان الجميع يذهب لموقع جريدة "الأخبار" لكي يقرأها, وكان عدد قُراءها من تيار المستقبل يفوق عدد قُراءها من التيارات الأخرى الموالية لها, وهي جريدة معروفة بعمالتها لسوريا, وبعدم صدقيتها, وبأنها الناطقة الرسمية بإسم النظام الديكتاتوري في سوريا رغم أنها لبنانية المظهر, وعندما تسأل عن سبب دخولهم جميعاً إلى تلك الجريدة رغم "عدم مصداقيتها" فيكون جوابهم: "بدنا نعرف شو آخر كذبة طلّعتها لحتى نرد عليها" إذن هم يُقرون بأنها تحمل سياسة وتوجه مختلف عنهم ويُقرون بأنها جريدة غير وطنية والأكثر طرافة بأنهم يُقرون بعدم صدقيتها ومع ذلك يدخلون على الموقع ليقرؤها, وهذا بالتالي يؤكد أن دخولي إلى موقع معين لا يعني بالضرورة إعجابي به ولا يعني بالتالي بأنني سأقوم بالتصويت له ولا يعني بتاتاً أنني من مناصريه وبالتالي هذه المُسَلّمَة تضرب بعُرض الحائط نظرية الكاتب بأن عدد الذين دخلوا الموقع هم من مؤيدي الموقع وهم سيصوّتون للحزب, فالخلاصة النهائية لما سبق مفادها: "عدد زوار الموقع لا يعني مطلقاً التصوّيت للموقع أو التأييد له".
وما ينسحب على السياسة ينسحب على الأمور الأخرى, فمثلاً عبر شاشات التلفزيون ومن خلال البرامج المسماة ببرامج "الواقع" أو تلفزيون الواقع Reality TV حيث يتم التصوّيت كل أسبوع للمشتركين ومن يحصل على نسبة أقل يخرج من البرنامج, ولا يخفى على أحد بأن كل متنافس من المتنافسين المشتركين في البرنامج لديه آلة انتخابية مكونة من أهله أو أصدقائه تقوم بالتصوّيت له عدة مرات, حيث يتبرع أحد أقارب المشترك كأن يكون أخاه أو أخته بالتصويت له ليلة كاملة بحيث يعطيه مائة أو مائتين صوت باليوم أو الليلة الواحدة, وقد ظهر ذلك واضحاً من خلال أحد الاتصالات التي وردت إلى أحد البرامج الشهيرة في هذا المضمار, حيث أتصل أحد الأشخاص بأخاه قائلاً له: "ما تعتل هم, راح يكون إلك تصويت كبير الليلة لأن أنا وأصحابي سهرانين طول الليل لحتى نصوتلك" وهو بالتالي ما يُثبت أن عدد الأصوات التي يحصل عليها هذا المشترك لا يعني أنه يُمثل عدد الأشخاص المعجبين بصوته الآخاذ.... وهو مثال يتكرر مراراً وتكراراً على شاشات التلفزة.

ويحضرني هنا بعض طرائف التصويت عبر الإنترنت، والتي حدثت منذ سنين قليلة في إحدى البلاد النامية التي أجرت استفتاءاً على الدستور عبر الإنترنت، بأن ظهرت النتائج بشكل سخيف جداً ومضحك للغاية، حيث ظهر أن عدد الذين صوتوا على تغيير دستور بلادهم كان أكثر من عدد سكان البلاد، أي أن عدد الأصوات كان أكثر من عدد السكان, وبالتالي حدوث عملية تزوير واضحة وجلية للتصوّيت.

وهو ما يُذكرني أيضاً بالإنتخابات اللبنانية التي حدثت مؤخراً بين 14 و8 آذار عندما ظهر أن إحدى القرى الجنوبية التابعة لما يُسمى "حزب الله" كان عدد الأصوات فيها والتي كانت لصالح حزب الله كانت أكثر بضعفين ونصف من عدد سكان البلدة، في تزوير صارخ وسافر لعدد الأصوات لتلك البلدة، وما ينطبق على الانتخابات النيابية على أرض الواقع ينسحب على الانتخابات الإفتراضية عبر الإنترنت.

وبالتالي فإن نظرية أن التصوّيت عبر الإنترنت يُعبر عن رأي الشعب أو عن رأي فئة معينة هي نظرية فاشلة ولا تمت للواقع بصلة، وهو ما يدفعنا إلى عدم الأخذ بتلك النتائج بشكل جدي إلا على سبيل اللعب أو اللهو أو التسلية، وهو ما يحدث في الكثير من المواقع الفنية وما شابهها من المواقع الهزلية.
غابات الآرز

29‏/11‏/2012

معارك التبانة



معارك التبانة – الجزء الأول

منذ وصولي إلى لبنان حدثت معركتان اثنتان في "باب الحرمان وجبله" كما يسميها أحد الكتاب في أحد المجلات الوطنية، يعني بذلك "باب التبانة وجبل محسن"، المعركة الأولى أمتدت يومان إثنان فقط كنت في حينها (عاطلة عن العمل) وبما أني لا أخاف (كطبيعة جميع اللبنانين) بقيت في باب التبانة لكي أشاهد المعركة، ليس فرحاً وحباً بالإقتتال، ولكن أمضيت جزءاً من طفولتي في منطقة "الزاهرية/ شارع لطيفة" القريب إلى حداً ما من "التبانة"، حيث قيل في حينها أن المعارك لن تصل إلى تلك المنطقة فهي بعيدة عن الاشتباكات، ولكن حرب "أبو عمار" كما يُسميها أهل طرابلس اجتاحت طرابلس بأسرها ليس في التبانة فحسب بل امتدت أيضاً إلى الزاهرية والتل وصولاً إلى الميناء، فلقد عشت تلك الحرب بأكملها وكنت في حينها صغيرة ولدي ذكريات مؤلمة لا تُنسى عن تلك الفترة، ثم هاجرت وعدت بعد 24 عاماً إلى لبنان، لأجد ان الحرب مازالت  بإنتظاري ومازالت مستعرة، أردت هذه المرة أن أرى طبيعة المعارك وكيف أصبحت وهل تغيرت عما سبق؟! لذلك بقيت، أمضيت فترة المعركة وأنا أراقب الأحداث عن كثب، شاهدت "المقاتلين" وهم يتناوبون بالسهر طوال الليل لحماية الشوارع خوفاً من نزول ما يُسمى بـ "شبيحة" الأسد إلى التبانة وإرتكاب جرائمه المشهور بها بحق أبناءها.
في هذه المعركة صُدمت لما رأيت، فكلما نظرت إلى الشارع لكي أشاهد المقاتلين ماذا يفعلون أجد أطفالاً صغاراً تقود المعركة دفاعاً عن مناطقها، نعم أطفال صغار، أكبرهم سناً لم يتجاوز عامه السادس عشر، يحملون قطعة "كلاشين" و"جعبة" لا تحوي أكثر من "مشط" واحد، ومع ذلك فهم سعداء بذلك، ظانين أنهم سيحّمون حيهم بهذا "المشط" اليتيم، يومان من المعركة ولم أشاهد سوى خمسة أو ستة رجال في الحي، ربما أقل من ذلك أيضاً، الباقي كله أطفال، حتى أنهم لا يمتلكون سلاحاً، صعد أحد أبناء  الجيران إلى بيتنا خلال الاشتباكات وقال متحدثاً إلى أمه بأنهم بحاجة إلى رصاص، فلا يوجد في التبانة رصاص، ولا يستطيعون الخروج من التبانة لجلب الرصاص بسبب وجود القناصة الذين حاصروا المنطقة بالكامل فلم يستطع أحد الدخول أو الخروج من التبانة .... هنا بدأت بالابتسام بسخريةً، طِفلةٌ صغار يقودون حرباً دفاعية ولا يملكون السلاح أو بمعنى أدق لا يملكون المال لإمتلاك السلاح، ومع ذلك فهم يَرُدُون على أولائك القناصة القتلة، أسلوب قتالهم مضحك أكثر منه مبكي، لا غرابة أن تصبح الحرب شيئاً مضحك، فإذا أصبحت الحرب كخبزٍ  يومي يعيشه هذا الشعب فلا بد أن تصبح الحرب مضحكة، لماذا هو مضحك؟ لأن أسلوب القتال غير متكافىء على الإطلاق، ولا تجوز المقارنة، فبينما أمطرنا جبل محسن بالإنيرجا طوال الليل (لقد أحصيت مع ساعات الليل الأولى 25 قنبلة أنيرجا سقطت من الجبل على التبانة وبعدها مللت من كثرة العد فتوقفت، إلا أن مغاوير الجبل الشجعان لم يملوا العّد وأستغرقوا الليل بطوله وهم يمطرون باب التبانة التعيس بوابل من الأنيرجا حتى اليوم التالي، أظنهم تجاوزوا المائة أو يزيد، ومع كل أنيرجا تسقط يهتز بنا المبنى إهتزازاً وبفعل أن بيوت التبانة مبنية منذ مائة عام أو يزيد كثيراً لا قليلاً ولم يُجرى لها أي عملية ترميم زيادة على ذلك أنها حضرت ثلاثون عاماً من الحروب والهزات الأرضية والقذائف وصواريخ غراد السورية الشقيقة لا شقق الله لنا غبار في إقتلاع عيني حاكمها، فلذلك كنت أخشى مع كل أنيرجا "تفئع" أن ينهَّد البيت على رؤوسنا، مع العلم أن أهل التبانة وبابها لم يُطلقوا ولا حتى أنيرجا واحدة، ليس إستحياءاً من أهل الجبل وخوفاً عليهم ولكن "العين بصيرة والإيد قصيرة"، فالأنيرجا ثمنها وثمن الهاونات لا يقدر على شراءها إلا حزب الله وبالتالي فهو المموّن الرئيس للجبل، فهم يُطلقون الأنيرجا والهاونات وكأنهم "عم يتسلوا بتفصفص بزر"، فلا بد أن لديهم مخزون كبير منها ليُطلقوا هذا العدد الهائل في يومان فقط.
المضحك بالأمر أيضاً (أعتذر بشدة لأنني أمضيت المعركة بطولها وأنا أضحك "قهراً" لسخافة ما شاهدته في تلك المعركة) نعم المضحك بالأمر أنني شاهدت خمسين شاباً تقريباً يقفون في زقاق المنزل فانحنيت قليلاً إلى الأمام لأرى ما الحدث الجلل الذي قد حصل ليتجمهر كل هؤلاء المغاوير الشجعان المجاهدين في مكان واحد في مثل هذا التوقيت غير المناسب، فإذا بأحدهم قد أحضر "بي سيفن" واحدة فقط وقد تحمل عبء ثمنها على عاتقه الشخصي بعد أن باع سيارته، وهو يتحدث بهذا الأمر بكل فخر أمام الخمسين مُعجب الذين يقفون بقربه، كانوا قد ألتموا عليها وكأنها شيء ثمين يجب رؤيته فقد لا يتكرر مشهد وجودها الفاتن مرة أخرى في حيهم، فثمنها يتجاوز المليون ليرة، فيما أضخم مقاتل بينهم مرتبه الشهري لا يتجاوز المائتي ألف ليرة،  بل إن من يقبض هكذا مرتب في باب التبانة يعتبرونه كتير "زنكيل" ويُشار إليه بالبَنان ... لووول عدنا للضحك من جديد، ما علينا، نعود إلى قصة "البي سيفن" اليتيمة المشوّقة، فما أن أنتهى مقاتلنا الفذ أبو خمسة عشر عاماً من سرد قصة بيعه لسيارته "المحرتئة" و"دبرنا كم مبلغ من هون وهونيك" على حسب قوله حتى بدأ وهو المزهوّ بنفسه لأنه يحمل هذا السلاح الفريد من نوعه والمفقود في شوارع التبانة وبابها، حتى بدأ كل مقاتل (تضحكني كثيراً كلمة مقاتل كلما تذكرت أعمار وأشكال وتصرفات من كانوا يقاتلون) بدأ كل مقاتل منهم بالإسراع إلى أخذ صورة له بجانب هذه "البي سيفن" الرائعة الجمال، أعتقد جميعهم قد أمضوا الساعة الكاملة وهم يتصورون، أحدهم تصوّر وهو يحملها على كتفه والآخر تصور وهو يضعها واقفة أمامه وهو جالس، بينما الآخر تصوّر وهو يُقبلها من فوهتها، لوول، لقد تفننوا بطريقة التصوير، ولكن المضحك المبكي في الأمر أن أحدهم أمسك بها وقد حاول إبراز كل رجوليته في هذه اللقطة لكي تظهر في الصورة وهو يحمل "البي سيفن" وهو مليء بالقوة والغضب ولكن لووول كان يحملها وفوهتها موّجهة إلى الأرض وهو يقول "صورني خليا تطلع الصورة وكأني عم صوب على الجبل" هنا أنبرى أحد أصدقائه قائلاً: "ولاه غشيم هيدي ما بتنحمل هاك بدك توجه فوهتها لفوق ما على الأرض يا طشمة"، لووول حتى وهم يتصوّرون لا يعرفون كيف يستعملوها، كل هذا الهرج والمرج والتصوير وحفل الأوتوغراف والمعارك من فوق رؤوسهم "شغالة"، حتى أنه رغم أنني كنت أستمتع بمشاهدة صبية مراهقين وهم يجعلون الحرب عبارة عن لهو ولعب وتصوير، إلا أنني فجأة ألقيت نظرة سريعة عليهم وفكرت، كيف يتجمعون بهذا العدد الكبير في زقاق واحد في هكذا ظرف؟ ماذا لو نزلت أنيرجا أو هاون في هذا الزقاق؟ سيتمزقون جميعاً، ألا يوجد قائد يوجههم ويُبين لهم خطورة هذا الأمر، بالطبع لا يوجد، فلا يوجد إلا صبية صِغار كل همهم أن يحملوا السلاح ويتباهون به كلٌ أمام منزل حبيبته لعلها تُعجب بشبوبيته الفريدة من نوعها وهو يرتدي آلة القتل الغبية تلك التي لا تُسمن ولا تغني من جوع، ولكن هذا لا يهم فقد تصوّر بها وسوف يضعها على الفايسبوك ويرسل نسخة منها إلى الحبيبة الغالية لكي يزيد إعجابها اللامتناهي بهذا الغباء المستفحل بين مقاتلي المراهقة، المضحك في الأمر أنني ظننت بعد حفل الإستقبال الصاخب الذي حظيت به الست "بي سيفن" طوال ساعة من الزمن ظننت أنهم سوف يقومون بإطلاقها على الجبل (كنت أشاهد قبل مجيئي إلى لبنان صور المقاتلين على الإنترنت والفيسبوك في التبانة وهم يُطلقون البي سفن والهاونات على الجبل فظننت أنهم يُمطرون سكان الجبل بها لأفاجأ عند مجيئي إلى هنا ومشاهدة تلك المعارك الوهمية أُصبت بالتشويش، حتى رأيت ما رأيت، وتأكدت من أنها مجرد صور لمراهقين لا يملكون لا سلاح ولا من يحزنون، فمن يُشاهد تلك الصور على الانترنت والفيسبوك يظن بأن مقاتلي التبانة مدججين بالسلاح بل ومعهم بيسيفينات وهاونات في عصر الصور وأوهامها لتُغير مفهوم عبارة قديمة حيث يجب تصحيحها لتكون "رب صورة أكذب من مئة خبر")، عودة إلى موضوعنا وصاحب البيسيفن المشهور، فإذا بصاحبها المزهّو بنفسه بعد إنتهاء حفل الإستقبال يأخذها و"يضبها" بكل هدوء بداخل حقيبة عسكرية أُعدت خصيصاً لها بكل هدوء وهو خائف عليها من أن تُسرق أو تُنهب أو أو أو...... لووول لا أدري ربما أخذها ليضعها على جدار غرفة من غرف منزله لتبقى هناك طوال الثلاثين عاماً المقبلة، أو حتى يُصاب منزله بطلقة نارية أو قذيفة جبلية تُفجر البيت بما حوى، إنها غالية جداً عليه وعلى جيبته لدرجة أنه "مستخسر أنوا" يُطلقها على الجبل، لووول.....مقاتلين، أليس الوضع مضحك بالفعل.
إنتهت تلك المعركة المضحكة المبكية التي لم استطع فهمها جيداً، فبينما كنت في الغربة أشاهد أخبار لبنان كنت أظن وحسب نشرات الأخبار المخزية تلك على جميع القنوات بلا أستثناء بأن هناك حرباً حقيقية بين رجال في التبانة وبابها ورجال في الجبل، لأفاجأ بأن الوضع جداً مهزلي، رجال في الجبل مدربة يتقدمها عناصر من حزب الله متدربة على القنص بدقة مدججة بالأنيرجا والهاونات والقناصين المحترفين مقابل طِفلةٌ صغار لا تدريب ولا تزويد لا بالمال ولا بالعتاد، يجلس المقاتل في الجبل طوال الليل والنهار على متراسه يُحْضَرْ له الطعام والشراب "لعند خدمته"، ويصل مصروفه إلى باب بيته غير عابيء بمشاكل الحياة، بينما في التبانة يقاتل الفتى وهو يحمل هَمْ الأيام التي تغيّب فيها عن العمل وقبل أن يُطلق رصاصة واحدة على الجبل "بيشيل" هم سعرها خوفاً من أنه لن يستطيع أن يشتري غيرها، هذا عدا عن أنهم يقاتلون وهم جياع، فآخر الليل سمعت عدد منهم وأنا مستلقية على سريري يُعبرون عن مدى جوعهم فهم يحرسون الحي منذ الصباح ولم يأكلوا شيئاً، لقد أشفقت عليهم عندما سمعت كلامهم هذا، رغم رفضي لكل ما يقومون به فتوجهت إلى المطبخ وفتحت الثلاجة وأخرجت منها بعض الأطعمة وأحضرت ربطة خبز وأردت أن أعطيهم إياها، ولكنني أحجمت في اللحظة الأخيرة، فلقد غازلني أحد هؤلاء المجاهدين في الصباح فما يُدريني أن أحدهم لن يُعيد الكرة الآن ويُهينني بمغازلة من هنا وأخرى من هناك في منتصف هذا الليل الهاديء وأنا أحاول مساعدتهم، أو سيعتبر أحد هؤلاء "المجاهدين" أنني معجبة بجماله الآخاذ وخصوصاً أن بارودته "حسب ظنه" زادته جمالاً وفتنة، فأحجمت وغيرت رأي وقلت في نفسي لو كانوا يقاتلون من قلب ورب "متل ما بيقولوا" ما ترددت ثانية، ولكنهم مجرد زعران حاول أحدهم في ذلك اليوم إهانتي ببعض كلام الغزل السخيف أمام أصحابه، مع العلم أن كل واحد منهم "أد أبني" لو رُزقت بولد في غابر الأزمان، لهذا أنا أضحك منذ البداية على هذه المعركة السخيفة التي صوّر فيها الإعلام بأن التبانة بها مقاتلين من القاعدة ومن السلفيين ومن الجهاديين لووول (واحد من الجهاديين غازلني وأنا أقف على البالكون أتفرج على المعركة الجهادية التي ستودي بنا جميعاً إلى الجنة) مهازل هذه الحياة كثيرة ومعارك التبانة والجبل أحدها بالتأكيد.
_____________________

معارك التبانة – الجزء الثاني

المعركة الثانية لم تختلف كثيراً عن سابقتها، إلا أنني كنت أكثر تركيزاً هذه المرة على طريقة قتال بعض فتيان التبانة وكيف يردُون على القناصة المحترفين الموجودين في الجبل، فكان الأمر جداً مضحك أيضاً، فبينما قناصة حزب الله في الجبل يُركزون قَنَاصَاتِهِم على كل شارع وكل ممر وكل زُقاق مانعين أي من سكان هذه المنطقة من المرور، حتى النساء والأطفال يتم رميهم بالرصاص إذا تحركوا، لدرجة أنه قد فُقد الخبز في المدينة، فممنوع أن يمر لا بشر ولا حجر، وبقي السكان طيلة أربعة أيام غير قادرين على تأمين ربطة الخبز بسبب القناصة الجبناء القابعين في الجبل، فبينما هم بالأعلى يمنعون كل مار من المرور كان فتيان التبانة المراهقين يُطلقون النار عشوائياً على الجبل دون تحديد وجهة ودون تحديد بيت أو منزل أو مقاتل فقط تنظر إليه وقف خلف الجدار ورفع بندقيه متهيئاً لأن يصيب شيء ما، فإذا به ينبري بسرعة إلى السكة مبتعداً خطوات قليلة جداً عن جداره الحامي فيُطلق كم رصاصة لا يدري هو شخصياً أين ذهبت! ثم يرتد إلى مكانه فرحاً بما أنجز، وسط تهليل وتصفيق وتكبير وتصوير من أصحابه المراهقين، هذا الأسلوب الأحمق استفزني بعمق وأصبحت أُصاب بالغضب كلما رأيت أحد هؤلاء الحمقى يتصرف بهذه الطريقة، أعرف تماماً أن ثمن الرصاصة البالغ أربعة آلاف ليرة لا يستطيع أحد هؤلاء الفتيان تأمينه فما بالك بمشط كامل، فهو يُكلفهم كثيراً فلماذا يتم إهدار هذا الرصاص أو هذا المال, (ثمن عشرين رصاصة هو خمسة وسبعين ألف ليرة، بينما جمعية أحد هؤلاء الفتيان لا تتجاوز الثمانين ألف ليرة، فكيف سيأكل أو كيف سيُطعم عائلته بقية الأسبوع، هل تكفي خمسة آلاف ليرة عائلة بأكملها في أسبوع؟) هكذا يتم إهدار هذا الرصاص، هكذا بدون فائدة وبدون تركيز، هل لأنهم غير مدربين أو غير مجهزين، لست أفهم تحديداً، ولكن يجب أن يكون هناك قناصة أيضاً في التبانة يستهدفون قناصة الجبل ويستهدفونهم كما يفعل أولئك، من الواضح أن الجبل أعلى من التبانة وبالتالي فإن التبانة تحت مرأى منه ويَسهُل على القناصة محاصرة أهالي المنطقة ولكن يجب أن يكون هناك قناصة أيضاً محترفين يستطيعون أن يُصيبوا بحنكة أولئك المتربصين في الجبل، أكره الحرب ولست مع أحد منهم لا في التبانة ولا في الجبل فكلاهما يدعي الدفاع عن منطقته ودينه وكلاهما يدعي التدين وكلاً منهما لا يعرف حتى كيف يُصلي!!!، يتاجرون بالدين كي يلعبوا ويلهو ويقتلوا بعضهم البعض، رغم غبائهم المستفحل إلا أنني شاهدت حادثة مريعة لن أنساها ما حييت، فلم أصدق أنه يمكن للبشر أن يكونوا بهذه الوحشية وهذا الإجرام وبهذا الكفر، كنت برفقة أحد الأقارب في اليوم الثالث من المعركة نقف على البالكون نشاهد بعض الأغبياء يلعبون بأسلحتهم النارية غالية الثمن القديمة والمهترئة، وبينما نظرت إلى يميني فوجدت سيارة جيب كبيرة (أعرف صاحبها جيداً فهو من سكان المنطقة) يركبها مع رجل آخر وقد حاول أن يقطع من شارع إلى شارع بواسطتها لأنه من المستحيل أن يقطع إنسان هذه الطريق مشياً على الأرجل أو ركضاً وإلا سوف يكون جثة هامدة بغض النظر عن كونه إنساناً أو حيواناً إمرأة أو رجلاً أو طفلاً أو حتى كلباً أو قطة، لذلك حاول أن يقطع الطريق إلى الجهة الأخرى راكباً سيارته الغالية، دعس بنزين وأصدر صوت عالٍ جداً كاد أن يُحرق "الموتير" ثم انطلق بأقصى سرعة بإتجاهنا ماراً من تحت البالكون وأثناء مروره سمعت صوت قَنصٍ عالٍ جداً أصاب الرجل في رأسه وهو منطلق بأقصى سرعة فغطت الدماء وجه ولم يعد يرى أمامه فانطلقت السيارة لوحدها بسرعة هائلة فصرخ أحد المقاتلين "زيحوووووووا بسرعة" حيث كان يتجمع عدد من المقاتلين في وسط الطريق فهرب الجميع وأكملت السيارة طريقها بسرعة جنونية وبشكل مستقيم فاصطدمت بشكل قوي جداً بأحد عربات "اللافاجت" (حاويات القمامة) محوّلةٍ إياها إلى قطعة تشبه العلكة الممضوغة، ثم اصطدمت بسيارة أخرى آخذة في طريقها قدم أحد الفتيان الواقفين في الطريق ثم أكملت إلى عمود كهرباء فارتطمت به ثم ارتدت بقوة إلى الخلف ثم انقلبت إلى اليمين وخرج منها دخان، وخرجت بعض السوائل منها على الطريق، أصبتُ بحالة من الدهشة وأنا أراقب الشارع من أوله لأخره في محاولة مني لفهم ما يجري، فركض الجميع إلى السيارة وأخرجوا منها السائق وكان الدم يغطي وجهه ولم يظهر شيء من ملامحه، ووضعوه في سيارة وانطلقوا به بأقصى سرعة إلى المستشفى غير عابئين بالقناصة الذين منذ برهة أصابوا الرجل في مقتل، ثم أخرجوا الآخر وكان قد أصيب في قدمه ووضعوه في سيارة أخرى وهربوا به إلى المستشفى، فأصبت ببعض التشويش، كيف خاطروا بحياتهم وأخذوا الرجلين بنفس الشارع وبنفس الطريق الذي أصيبا فيه، وكأنهم لم يشاهدوا ما حصل له!!! شيء غريب!، يبدوا لي أحياناً بأن سكان التبانة لا يأبهون لحياتهم وكأنهم لا يريدونها، المخاطرة عندهم شيء طبيعي، وكأن الخوف إنتُزع من بين أضلاعهم. كان مشهداً رهيباً، لم أرى شيئاً كهذا من قبل، كان هذا المشهد في اليوم الثالث أعتقد من المعركة كان يوم الإثنين حيث تعطلت عن عملي بسبب عدم قدرتي على العبور بسبب ذلك القناص الجبان الذي لم يوفر إمرأةً أو رجلاً أو فتىً فلقد أباح له دينه المزعوم وهو يزعم بأنه يدافع عن دينه بأن يقتل أيَّ إنسان أياً كان في أي وقت كان دون رقيب أو حسيب، من الذي أحل لهؤلاء القناصة بأن يقتلوا البشر بهذه الطريقة وكأنهم قد أُعطوا صك براءة مسبق لقتل كل ما يحلو لهم، هذا القناص قتل من قتل في تلك الأيام وانتهت المعركة ولم يُحاسب ولم يُجرى تحقيق، يمكن لأي شخص يفتح معركة ليوم واحد يقتل فيها من يريد ربما جارٌ له يغيظه، أو ربما زميل في العمل حاول أخذ الوظيفة منه، أو ربما شخص ما سرق حبيبة منه، فالأمر سهل جداً جداً بل أسهل مما كنت أتصور، فلم يُسئل أي أحد من هؤلاء القتلة الخارجون عن القانون والكافرون بكل دين،  لم يُسئل أحد منهم عمن قتل وكم كان عدد مَن قتل؟
إنه لشيء مخيف، يشعر الإنسان وكأنه يعيش في غابة تملاؤها الأسود والضباع والكلاب البرية، لا قانون ولا شريعة ولا حتى دين، أضطررت بعد تعطُلي عن العمل ليوم كامل أن أخرج من التبانة فالوضع متأزم وقد لا أستطيع الهرب منها وبالتالي سأخسر وظيفتي، لذلك هربت مع بعض الأقارب عبر مداخل ومخارج فُتحت في جدران المباني والمصانع والأسواق، أضطررت إلى الهرب والخروج بسبب عملي ولو أخرجوني منها لغير ذلك ما خرجت، ليس حباً بها، ولكن إنها حيث أسكن حالياً قبل أن أستقر إن شاء الله في بيتي..... فليكن الله في عون أهالي التبانة فإذا تركوا مصيرهم بأيدي هؤلاء الصبية المراهقين فعلى التبانة السلام، فسيستبيحها شبيحة الأسد القابعين في الجبل بشكل رهيب.....

 وبإنتظار المزيد من المعارك الصبيانية القادمة ..... فبالله المستعان.